ومن اخلاق السلطان الزاهد
اخلاق السلطان الزاهد: مكارم الأخلاق :وكان السلطان مع زهده وورعه ونقاء جيبه يتحلى بالعدل والعفو ، والحلم والجود ، والمروءة والكرم ، والصبر والصرامة ، والثبات والاستقامة ، وغيرها من مكارم الأخلاق
ومحاسن الأوصاف ، يقول ابن شداد :هوكان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ، ويفتح الباب للتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير ، وعجوز هرمة وشيخ كبير ، وكان يفعل ذلك سفراً وحضراً ، على أنه كان في جميع زمانه قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم ، ويفتح باب العدل ، ولم يرد قاصداً للحوادث والحكومات ، وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو النهار ، ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ،
ولم يرد قاصداً أبداً ولا منتحلا ولا طالب حاجة ، وهو مع
ذلك دائم الذكر والمواظبة على التلاوة رحمة الله عليه ..
وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته ، وكشفظلامته واعتنى بقصته ، ولقد رأيته واستغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له : ابن زهير ، على « تقى الدين ، ابن أخيه ، فأنفذ إليه ليحضر إلى مجلس الحكم ، وكان « تقى الدين . من أعز الناس عليه وأعظمهم عنده ، ولكنه لم يحابه في الحق »وكان السلطان ذا حلم أصيل وتؤدة ، وقد روى المؤرخون قصصاً من قوة احتماله ، وشدة حلمه ، وصبره على الأذى ، وإحسانه إلى من أساء إليه ، لو رويت عن أوساط الناس لكانت موضع الدهشة والاستغراب ، فكيف من ملك قاهر ، وسلطان قوى !! وقد طلب مرة ماءا للشرب ، وتأخر إحضاره فكرر الطلب ولم يحضر ، حتى اتفق ذلك خمس مرات ولم يحضر ، فلم يزد على أن قال : إخواني إلى أموت عطشاً ! فأحضر وشربه السلطان ، ولم يلم أحداً على تأخيره ، وأبل من مرض طال به ، ودخل الحمام ليستحم ، فوجد الماء شديد السخونة ، فطلب ماء بارداً ، فأحضر الخادم الماء ،و وقع عليه الاناء الذى فيه ، ولم ينج من الموت إلا بلطف من الله ، فما زاد أن قال : إذا كنتم تنوون قتلى فأخبروني بذلك ، واعتذر الخادم وسكت السلطان ، وذكر القاضي ابن شداد أخباراً كثيرة من صفحه عن الأمراء ، وسعة صدرهوحلمها .وقد سجل القاضي بهاء الدين قصصاً عديدة للسلطان في عفوه وحلمه ، وصفحه عن أخطاء جنوده وزلات أصحابه وأما في جوده وسخائه : فكان السلطان رحمه الله - كما صرح به ابن شداد - : « ربما يهب الأقاليم ، وفتح « آمد . وطلبها منه ابن قره أرسلان فأعطاه إياه ، ورأيته قد اجتمع عنده جمع من الوفود بالقدس الشريف ، وكان قد عزم على التوجه إلى دمشق ، ولم يكن فى الخزانة ما يعطى الوفود ، فلم أزل أخاطبه في معناهم حتى باع أشياء من بيت المال وفضضنا ثمنها عليهم ، ولم يفضل منه درهم واحد ... وكاننواب خزائنه يخفون عنه شيئاً من المال حذراً أن يفاجئهم مهم لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه ، وسمعته في معرض حديث جرى يقول : يمكن أن يكون في الناس من ينظر إلى المال كما ينظر إلى التراب ، فكأنه أراد بذلك نفسه
رحمه الله تعالى . . .ويقول ابن شداد في موضع آخر : . وكان السلطان كثير المروءة ، ندى اليد ، كثير الحياء ،مبسوط الوجه لمن يرد عليه من الضيوف ، وكان يكرم الوافد عليه ، وإن كان كافراً ... ولقد رأيته وقد دخل عليه صاحب ، صيدا ، بالناصرة فاحترمه وأكرمه ، وأكل معه الطعام ، ومع ذلك عرض عليه الاسلام ، فذكر له طرفاً من محاسنه وحثه عليه . وكان السلطان كريم النفس رقيق القلب ، يتوجع المظلوم ويرثى له ، ويجبر مصابه ، يدل على هذا ما يحكى ابنشداد في كتابه فيقول : ولقد كنت راكباً في خدمته في بعض الأيام قبالة الافرنج ، وقد وصل بعض اليزكية ، ومعه امرأة شديدة التخوف ، كثيرة البكاء متواترة الدق على صدرها ، فقال اليزكي : إن هذه خرجت من عند الافرنج فسألت الحضور بين يديك ، وقد أتينا بها ، فأمر الترجمان أن يسألها عن قصتها ، فقالت : اللصوص المسلمون دخلوا البارحة إلى خيمتي وسرقوا ابنتى ، وبت البارحة أستغيث إلى بكرة النهار ، فقال لى المملوك : السلطان هو أرحم، ونحن نخرجك إليه تطالبين ابنتك منه ، فأخرجوني إليك ، وما أعرف ابني إلا منك ، فرق لها ودمعت عينه ، وحركته مروءته ، وأمر من ذهب إلى سوق العسكر يسأل عن الصغيرة من اشتراها ويدفع له ثمنها ويحضرها ، وكان قد عرف قضيتها من بكرة يومه ، فما مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه ، فما كان إلا أن وقع نظرها عليه ، فخرت إلى الأرض تعفر وجهها فى التراب ، والناس يبكون على ما نالها ، وهىترفع طرفها إلى السماء ولا نعلم ما تقول ، فسلمت ابنتها إليهاوحملت حتى أعيدت إلى عسكر هم
ويقول ابن شداد :ه إنه ما أحضر بين يديه يتيم إلا ترحم على مخلفيه وجبر قلبه ، وأعطاه وجبر مصابه، وإن كان له من أهله كبير يعتمد سلمه إليه ، وإلا أبقى له من الخير ما يكف حاجته وسلمه إلى من يعنى بتربيته ويكفلها ، وكان لا يرى شيخاً
إلا يرق له ويعطيه ويحسن إليه . .
خلال الفتوة والفروسية :
ويدل على صبره واستقامته في الشدائد والأهوال ماحكى عنه القاضي بهاء الدين ، فقال : إنه رآه بمرج عكة ه وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دما ميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه ، بحيث لا يستطيع الجلوس ، وإنما يكون منكباً على جانبه إن كان بالخيمة ، وامتنع منمد الطعام بين يديه لعجزه عن الجلوس ، وكان يأمر أن يفرق على الناس ، وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريباً من العدو ، وقد رتب الناس ميمنة وميسرة وقلباً بغية القتال ، وكان مع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة المغرب يطوف على الأطلاب ، صابراً على شدة الألم وقوة ضربان الدماميل ، وأنا أتعجب من ذلك فيقول : إذا ركبت
يزول عنى ألمها حتى أنزل ! ! وهذه عناية ربانية . .ولم يزل يطارد العدو في معركة - وهو في حالة المرض -إلى أن دخل الليل فضربت له خيمة لطيفة ، يقول القاضي، ابن شداد :هوبتنا تلك الليلة أجمع ، أنا والطبيب نمرضه ونشاغله ،وهو ينام تارة ويستيقظ أخرى ، حتى لاح الصباح ، ثم. ضرب البوق وركب هو وركبت العساكر ، وأحدقت بالعدو ،ورحل العدو عائداً إلى خيامهم من الجانب الغربي من النهر ،وضايقهم المسلمون في ذلك اليوم مضايقة شنيعة ، وفي ذلكاليوم قدم أولاده بين يديه احتساباً وجميع من حضر منهم ، ولم يزل . يبعث من عنده حتى لم يبق عنده إلا أنا والطبيب وبقى - رحمه الله - في مرضه والعساكر على ظهور الخيل قبالة العدو إلى آخر النهار ، ثم أمرهم أن يبيتوا على مثل ما باتوا
عليه بارحتهم ، وعدنا إلى منزلنا في الليلة الماضية . . وكان السلطان من عظماء الشجعان ، ويضرب به المثل في الشجاعة ، وقوة النفس ، وشدة الجأش ، ومن، ذلك ما يروى ابن شداد ، فيقول : . وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو في كل يوم مرة أو مرتين ... وكان رحمه الله تعالى – إذا اشتد الحرب - يطوف بين الصفين ، ويخرق العساكر من الميمنة، إلى الميسرة ، ويرتب الأطلاب ، ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها ، وكان يشارف العدو ويحاوره رحمه الله - ، ولقد قرى عليه جزءان من الحديث بينالصفين ، وذلك أني قلت له : قد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة ، ولم ينقل أنه سمع بين الصفين ، فان رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسناً ، فأذن في ذلك فأحضر جزء كما أحضر من له به سماع ، فقرى عليه ، ونحن على ظهور الدواب بين الصفين ، نمشى تارة ونقف أخرى . . ه وما رأيته استكثر العدو أصلا ولا استعظم أمرهم
قط ۲هوقد حارب في بعض الأحيان عدواً يبلغ عدده إلى خمسمائة ألف أو ستمائة ألف ، فنصره الله على عدوه ، فقتل وأسر خلقاً كثيراً منهم . .. ولقد وصل في ليلة واحدة نيف وسبعون مركباً على، عكة - وأنا أعدها - من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وهو لا يزداد إلا قوة نفس . .ولقد انهزم المسلمون في يوم، المصاف الأكبر بمرج عكة ، حتى القلب ورجاله ، ووقع الكؤوس والعلم ، وهو رضى الله عنه . ثابت القدم في نفر يسير حتى انحاز إلى الجبل ، يجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ، ولم يزل
كذلك حتى نصر عسكر المسلمين على العدو في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ، ولم يزل
رحمه الله مصابراً لهم ، وهم في العدة الوافرة .
ويدل على بعد همة السلطان ، وقوة إرادته وصلابة عزمه وتحمسه لدينه ، ما يحكى ابن شداد أن السلطان قال له ذات يوم : « أما أحكى لك شيئاً في نفسي ؟ إنه متى ما يسر الله تعالى فتح بقية الساحل ، قسمت البلاد وأوصيت و و دعت ، وركبت هذا البحر إلى جزائرهم واتبعتهم فيها حتى لا أبقى على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت . .