سيرت السلطان الزاهد واخلاقه
السلطان الزاهد :ويتحدث القاضي ابن شداد عن سيرة السلطان وخلاله وأخلاقه ومزاياه فيقول :حسن العقيدة ، كثير ه وكان - رحمة الله عليه الذكر الله تعالى ، قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث، مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء . . - رحمه الله تعالى شدید . وأما الصلاة فكان المواظبة عليها بالجماعة ، حتى أنه ذكر يوماً أن له سنين ما صلى إلا جماعة ، وكان إن مرض يستدعى الامام وحده ، ويكلف نفسه القيام ويصلى جماعة ، وكان يواظب على السنن الرواتب ، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل ، وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح ( على مذهب الشافعية ) ، ولقد رأيته يصلى في مرضه الذي مات فيه قدس الله روحه قائماً ، وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه . .هوأما الزكاة فانه مات - رحمه الله تعالى - ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة ، وأما صدقة النفل ، فانها استغرقت جميع ما ملكه من الأموال . . ( ولم يخلف شيئاً من
الأملاك كما نقلنا عن ابن شداد فيما سبق ) .
ه وأما صوم رمضان فانه كان عليه من فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة ، وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام ... ومع كون الصوم لا يوافق مزاجه ألهمه الله تعالى الصوم وأقدره على ما قضاه من تلك الفوائت ، فكان يصوم وأنا أثبت الأيام التي يصومها ، لأن القاضى كان غائباً ، وكان الطبيب يلومه ، وهولا يسمع ، ويقول : لا أعلم ما يكون ، فكأنه كان
ملهماً ما يراد به رحمه الله تعالى . .
ه وأما الحج فانه كان لم يزل عازماً عليه وناوياً له في العام الذى توفى فيه ، فانه صمم العزم عليه ، وأمر بالتأهب ، و ٥١ / ٧٦ ولم يبق إلا المسير ، فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد عما يليق بأمثاله ، فأخر إلى العام
المستقبل فقضى الله ما قضى . .ما تجب عليه به الزكاة ، وأما صدقة النفل ، فانها استغرقت جميع ما ملكه من الأموال . . ( ولم يخلف شيئاً من الأملاك كما نقلنا عن ابن شداد فيما سبق ) .
ه وأما صوم رمضان فانه كان عليه من فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة ، وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام ... ومع كون الصوم لا يوافق مزاجه ألهمه الله تعالى الصوم وأقدره على ما قضاه من تلك الفوائت ، فكان يصوم وأنا أثبت الأيام التي يصومها ، لأن القاضى كان غائباً ، وكان الطبيب يلومه ، وهولا يسمع ، ويقول : لا أعلم ما يكون ، فكأنه كان
ملهماً ما يراد به رحمه الله تعالى . .
ه وأما الحج فانه كان لم يزل عازماً عليه وناوياً له في العام الذي توفى فيه ، فانه صمم العزم عليه ، وأمر بالتأهب ، وعملنا الرفادة ، ولم يبق إلا المسير ، فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد عما يليق بأمثاله ، فأخر إلى العام
المستقبل فقضى الله ما قضىوكان رحمه الله تعالى - يحب سماع القرآن العظيم .. برجه وهو في وكان يستقرى من يحرسه في الليل - الجزأين والثلاثة والأربعة وهو يسمع ، وكان - رحمه الله تعالى - خاشع القلب رقيقه ، غزير الدمعة إذا سمع القرآن ، يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أو قاته
ه وكان - رحمه الله - شديد الرغبة في سماع الحديث ، ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير ، فانه فأسمع إن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه ، من يحضره فى ذلك المكان من أولاده ومما ليكه المختصين به ، وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالا له ، وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه ، وكان - رحمه الله يحب أن يقرأ الحديث بنفسه ، وكان يستحضرني في خلوته ، ويحضر شيئاً من كتب الحديث ، ويقرأها هو ، فاذا مر بحديث فيه عبرة رق قلبه ، ودمعت
عينه ..وكان - رحمه الله – كثير التعظيم لشعائر الدين ولقد أمر صاحب حلب الملك الظاهر - أعز الله أنصاره - بقتل شاب يقال له : السهروردي ، قيل عنه إنه كان معانداً اللشرائع مبطلا . .وكان - قدس الله روحه حسن الظن بالله . كثير الاعتماد عليه ، عظيم الانابة إليه ، ولقد شاهدت من آثار ذلك ما أحكيه ، وذلك أن الفرنج – خذلهم الله كانوا نازلين ببيت نوبة ، وهو موضع قريب من القدس الشريف - حرسها الله تعالى - بينهما بعض مرحلة ، وكان السلطان بالقدس ، وقد أقام يزكا على العدو محيطاً به ، وقد سير إليهم الجواسيس والمخبرين ، فتواصلت الأخبار بقوة عزمهم على الصعود إلى القدس ومحاصرته ، وتركيب القنابل عليه ، واشتدت مخافة المسلمين بسبب ذلك ، فاستحضر الأمراء وعرفهم ما قد دهم المسلمين من الشدة ، وشاورهم في الاقامة بالقدس ، فأتوا بمجاملة باطنها غير ظاهرها ، وأصرالجميع على أنه لا مصلحة في إقامته بنفسه ، فانها مخاطرة بالاسلام ، وذكروا أنهم يقيمون هم ، ويخرج هو - رحمه بطائفة من العسكر يكون حول العدو كما كان الحال الله بعكة ، ويكون هو ومن معه بصدد منع ميرتهم والتضييق عليهم ، ويكونون هم بصدد حفظ البلد والدفع عنه ، وانفصل مجلس المشورة على ذلك ، وهو مصر على أن يقيم هو بنفسه ، علماً منه أنه إن لم يقم لم يقم أحد ، فلما انصرف الأمراء إلى بيوتهم جاء من عندهم من أخبر أنهم لا يقيمون إلا أن يقيم أخوه الملك العادل أو أحد أولاده ، حتى يكون هو الحاكم عليهم والذي يأتمرون بأمره ، فعلم أن هذه إشارة منهم إلى عدم الاقامة ، وضاق صدره ، وتقسم فكره ،واشتدت فكرته . .ولقد جلست في خدمته في تلك الليلة - وكانت
ليلة الجمعة من أول الليل إلى أن قارب الصبح ، وكان
الزمان شتاء ، وليس معنا ثالث إلا الله ، ونحن نقسم، أقساماً ، وترتب على كل قسم بمقتضاه حتى أخذني الاشفاقعليه والخوف على مزاجه ، فانه كان يغلب عليه اليبس ، فشفعت إليه حتى يأخذ مضجعه لعله ينام ساعة ، فقال - رحمه الله - لعلك جاءك النوم ، ثم نهض ، فما وصلت إلى بيتى وأخذت لبعض شأنى إلا وأذن المؤذن ، وطلع الصبح وكنت أصلى معه الصبح في معظم الأوقات ، فدخلت عليه وهو يمر الماء على أطرافه ، فقال : ما أخذني النوم أصلا ،
فقلت : قد علمت ، فقال : من أين ؟ فقلت : لأني ما نمت ، وما بقى وقت للنوم . ثم اشتغلنا بالصلاة ، وجلسنا على ما كنا عليه ، فقلت له : قد وقع لى واقع ، وأظنه مفيداً إن شاء الله تعالى ، فقال : وما هو ؟ فقلت له : الاخلاد إلى الله تعالى ، والانابة إليه ، والاعتماد في كشف هذه الغمة عليه ، فقال : وكيف نصنع ؟ فقلت : اليوم الجمعة ، يغتسل المولى عند الرواح ويصلى على العادة بالأقصى موضع مسرى النبي الله ، ويقدم المولى التصدق بشيء خفية على يد من يثق به ، ويصلى المولى ركعتين بين الأذان والاقامة ويدعو الله في سجوده ، فقد ورد فيه حديث صحيح ، وتقولفي باطنك : إلهى قد انقطعت أسبابي الأرضية في نصرة دينك ، ولم يبق إلا الاخلاد إليك والاعتصام بحبلك والاعتماد على فضلك ، أنت حسبي ونعم الوكيل – فان الله أكرم من أن يخيب قصدك ، ففعل ذلك كله ، وصليت إلى جانبه على العادة ، وصلى الركعتين بين الأذان والاقامة ، ورأيته ساجداً ودموعه تتقاطر على شيبته ، ثم على سجادته ، ولا أسمع ما يقول ، فلم ينقض ذلك اليوم حتى وصلت رقعة من . عز الدين جرديك ، ، وكان على اليزك يخبر فيها أن الفرنج مختبطون ، وقد ركب اليوم عسكرهم بأسره إلى الصحراء ووقفوا إلى قائم الظهيرة ، ثم عادوا إلى خيامهم ، وفي بكرة السبت جاءت رقعة ثانية تخبر عنه بمثل ذلك ، و وصل في أثناء النهار جاسوس أخبر أنهم اختلفوا .. ولما كانت بكرة الاثنين جاء البشير يخبر أنهم رحلوا عائدين إلى جهة الرملة .