القاضي الصغير
القاضي الصغير *
قرر التاجر الأمين (فلاح) أن يُسافر إلى بلاد أخرى ليوسع تجارته، فباع بضاعته التي في دكانه، وأخذ معه كل ما يحتاج إليه في سفره وتجارته الجديدة، وتبقى معه ألف دينار من الذهب فأحضر جرة من الفخار ووضع فيها النقود وغطاها بالزيتون، وسد الجزة جيدا بغطاء محكم وحملها إلى التاجر (سعيد)، وعرض عليه أن يضعها أمانة عنده حتى يرجع من سفره، فقال سعيد : خذ مفتاح المخزن وافتح الباب، وضع جرتك في المكان الذي تختاره، وتأكد أنها ستكون في أمان حتى تعود من سفرك، وتأخذها من المكان الذي تركتها فيه. وضع فلاح جرته في المخزن، وأعاد
المفتاح إلى سعيد، وسافر في تجارته. غاب فلاح سبع سنوات يتنقل من بلد إلى آخر في تجارته، وذات يوم انتهى الزيتون في بيت التاجر سعيد، وتذكر جرة الزيتون في مخزنه التي وضعها التاجر الأمين فلاح، فحدثته نفسه أن يذهب ويأخذ من الجرة قليلا من الزيتون، وظن أن التاجر الأمين لن يعود بعد غيابه كل تلك السنوات، وعندما فتح الجرة وجد الزيتون فاسدًا لا يصلح للأكل، وعندما مد يده في الجرة وجد الدنانير الذهبية، فأخذها، وخبأها، ثم ذهب إلى السوق واشترى زيتونا جديدا وملأ به الجرة
وسدها بغطائها، وأعادها في مكانها في المخزن كما كانت.
مر شهر على ذلك، وعاد التاجر الأمين وقد ربحت تجارته، وذهب إلى التاجر سعيد الذي أظهر الفرح والسرور بعودته، وهناه برجوعه سالما من هذا السفر الطويل. طلب فلاح جرته فأعطاه سعيد المفتاح، وأخذ جرته التي وجدها في مكانها الذي وضعها فيه، وذهب بها الموبينة وعندما فتحها لم يجد دنانيره الذهبية، فحزن وتعجب من خيانة . ة صاحبه. رجع إلى سعيد
وأخبره علي
باختفاء الدنانير، وطلبها منه، إلا أنه أنكر معرفته بها ، وأخبره أنه لم يرها. حاول التاجر الأمين في صاحبه أكثر من مرة أن يعيد إليه ماله، ولو جزءا منه ولكنه يرفض ويُنكر في كل مرة. يئس فلاح من صاحبه فذهب إلى القاضي: ليشكوه، فأرسل القاضي جنوده في طلب التاجر سعيد، وعندما حضر مع صاحبه فلاح إلى مجلس القاضي، سأل القاضي فلاحا إن كان لديه شهود فقال: لا. عندئذ قال سعيد: إنه يكذب علي، ويتهمني، وقد أعطيته المفتاح ليضع جزته بنفسه في المخزن، وعندما عاد وجدها في مكانها كما تركها. فحكم القاضي ببراءة سعيد: لأن فلاحا ليس عنده دليل ولا شهود. رفع فلاح شكواه إلى قاضي القضاة، وكان من عادته أن يخرج في بعض الأيام إلى المدينة ويتجول في أسواقها، فرأى أطفالا يلعبون، ودهش عندما سمعهُمْ يُمثلون قضية التاجر وصاحبه الذي خان الأمانة، وكان أحد الأطفال يقوم بدور القاضي، فَسَمِعَ الْمُحَاكَمَةَ كَامِلَةً وتعجب كيف استطاع القاضي الصغير أن يثبت التهمة على التاجر سعيد، ويُرجع إلى فلاح دنانيره. طلب قاضي القضاة أن يحضر فلاح وسعيد والغلام إلى مجلسه ليكرر هذا القاضي الصغير ما فعله في المحاكمة، كما طلب إحضار القاضي الذي حكم في القضية، وطلب أكبر تجار الزيتون في المدينة: ليحضر المحاكمة، وعندما حضر الجميع، طلب قاضي القضاة أن يذكر كل تاجر شكواه ودفاعه، ولما أراد التاجر سعيد أن يُقسم بالله على براءته، سأله الغُلام عن جرة الزيتون فأشار إلَيْهَا، أَخَذَ الغُلام من الجرة زيتونتين، وأعطى قاضي القضاة واحدة وتاجر الزيتون الأخرى : ليذوقها، فأكد تاجر الزيتون أن هذا الزيتون جديد من إنتاج هذا العام، وأن الزيتون يكون صالحًا للأكل مدة سنتين أو ثلاث سنوات على الأكثر، وبعد ذلك يفسد ويكون غير صالح للأكل، وأن
الزيتون الذي في الجرة جديد. اعترف سعيد بخيانته، واعتذر إلى صاحبه، واعتذر القاضي من حكمه السابق، وأمر قاضي القضاة بمكافأة للغلام على ذكائه وفطنته، وسجن التاجر الخائن لخيانته الأمانة، ورد الفلاح
دنانيره الذهبية.