ماهو النبيذ
لم أشرب النبيذ يوماً
لكنني أعرف تماماً ذلك الشعور الذي دفع الراهب دوم بيير بيرينيون لأن يصرخ محتفلاً بعد أول رشفة شمبانيا في التاريخ
لم أجرب الويسكي كذلك لكنني أشمه في قصائد و روايات فاحت عبقريتها
سمعت عن لذة البراندي.. عن فحش الفودكا و قوة التيكيلا... وعما تفعله البيرة في بطون البحارة وأحلامهم..
و مع هذا لم يسبق و أن تذوقت أي منها أبداً.
غير أني..
و عندما أشاهد ملامحك عن قرب
عندما أتأمل تفاصيل وجهك و أنت تتحدثين
عندما أرتشف القليل من ابتسامتك
وأعب من دنان صوتك
أترنح حينها من ثِقل النشوة
و أضحك من شدة النسيان .
فجأةً ..
يكبر أحد الأخوة مبكرًا
قبل البقية
يتوقف عن اللعب
ثم يكبر ليتفقد الطريق أولًا ..
تمر به الحياة
تلطمه ويلطمها
وبعد بضعة أعوام يلتفت إلى إخوته
وهم منهمكون في اللعب
وبصوته المتعب والحزين ويقول:
الطريق سالك الآن،
بإمكانكم أن تكبروا بسلام .كنت صبياً رائعاً
وكانت خطتي أن أصبح ضابطاً مهماً في الأمن السياسي ،
وأن أنمي موهبتي في الكتابة
وأنشر قصصاً وروايات تضاهي مايكتبه وجدي الأهدل وأحمد خالد توفيق ..
كنتُ صبياً جامحاً
وكانت خطتي أن أتزوج بفتاة زرقاء العينين
وأن أصلح ضرسي المعطوب قبل حلول العشرين
في الخطة أيضاً
أن أسافر إلى أميركا و أكتسب اللغة
وأن أزور فينيسيا وباريس لأصقل أناقتي و أثري عطوري..
الأن وبعد كل هذه السنوات
أجد أمامي حياة غريبة ومختلفة تماماً
أشاهد فيها العديد مني وهم يتسكعون في يومياتي بحرية لافتة..
شابٌ حليق الشعر يضع قرطاً على أذنه
وعلى عنقة وشمٌ متقن لسواستيكا
رجلٌ يدخن بصدر عارٍ في نهاية زقاق مظلم
ينتظر بهدوء معركة يدوية عنيفة يعلم سلفاً بأنه سيخسرها..
شاعر مجهول يقف في عدة طوابير
من أجل الماء أو الغاز أو الخبز
كنتُ صبياً مميزاً
أو
ربما
أحمقاً
لكن كانت خطتي أن أكسر أي قاعدة تصادفني
و أن أموت مبتسماً مهما كلف الأمر .
كنتٌ
أمراً
لايصدق .