سفينتي عندما يأتي الطوفان

سفينتي عندما يأتي الطوفان
لقد حذرني طبيبي النفسي منك ،
لكنك كنتِ جميلة جداً فقررت الذهاب إلى طبيب آخر .مثل آخر مرة تقريبا،لا شيء تغير.المدينة لا تزال كما هي،وهناك في الشوارع الخلفية حيث كنت تغني ذات ليلة،أسمع صوتك أحيانا يكشف عن صداه ثم يختفي وسط هتافات مجهولة لا أكترث لها،ربما أهازيج حفلات أو عراك صبية الحي.حتى وأنا أنظر الآن من نافذة المطبخ، أراك في المقهى المقابل تناولني الشاي.أمي
( عليها السلام )
تقول لِجاراتها
ولدي شاعر
وجدير بأحلى النساء
ولدي فارس
كلما
صهلت خيله
لمعت نجمة في أقاصي السماء ..
وأمي من جنان الله ، لا تكذب قط ..!لا تسأليني لماذا أشرد بخيالي حينما نكون معاً..
فعندما تتحدثين
يمكنني بسهولة أن أشاهد الكلمات وهي تخرج من فمك وتتشكل في الهواء لتبدو وكأنها كائنات وأشياء يمكنني لمسها والإمساك بها..
لطالما كانت أحاديثك تسافر بي بعيداً عما تتحدثين .حتى و إن أحرقت كل قصائدي
و تزوجتِ ذلك الرجل النبيل
ستحبلين مني أنا..
ستقضين بقية عمرك في ذهول متقطع أمام أطفالك إذ يكبرون وهم يشهرون ملامحي و جينات إبتساماتي..
و ترتبكين للحظة
كلما فاحت من أجسادهم الغضة رائحة قصائدي .ستحبين أحدا غيري
رجلاً غنيا يحقق لك ما لم أقدر
رجلا يجعلك تضحكين بلا سبب
ستنشغلين به
ستملئين وقتك بالسفر،
وعد النقود،وتجريب الملابس وتغيير ألوان حائط منزلكم،
محاولة نسياني
وعندما تنتهين من كل هذا
ستجدين نفسك وحيدة،
ستبحثين عني في ذكرياتك
لكن ستؤلمك للغاية معرفة أني ندمك الأجمل!أحتاج بشكل مأساوي لصورة أكثر وضوحاً لحياتك
لتلك التفاصيل التي تختبئ في زحام يومياتك
أحتجت إلى لمحة إغاثية عن الأشياء التي ساقها الحظ لتكون قريبة منك
حذاءك..حقيبتك..سلة مهملاتك
طلاء أظافرك و فرشاة أسنانك
أسم عطرك
و لون مخدتك..
مثل مدمن هيروين مفلس أتلوى ألماً من شدة إفتقادي لك .الشرود عرض بطيء للأحداث المتسارعة التي غفل عنها العقل في عز انتباهه، مراقبة ما أفلتته عدسة الانتباه.الأمر مسألة ثقة بين البرغي والصورة، لذلك تجد الفتاة معلّقة في الهواء وتبتسم .حين تأتين
أحرص بشدة على تكثيف لامبالاتي بك و ذلك لكي لا تتقافز من وجهي كائنات هوسي بك .الحنين للغائبين هو أقدم طريقة ابتكرها الإنسان للتدمير عن بعد .دوما ما تمر النساء في شريط ذاكرتي
في شكل صورة بانورامية واسعة من أجل إلهائي لكنهم دومًا يفشلون في خطف الأضواء منكِ .البارحة وفي أحد شوارع المدينة تم الإشتباه بي أوقفني المخبر وفتش في جيوبي ثم طلب بطاقتي المدنية كان يقرأ اسمي ويحدق بي فعل ذلك بغرابة صرخت بوجهه : لم ؟ لم كل هذا الغياب ياحبيبتي . كل الذين حدقوا بي بعد رحيلكِ ظننتهم أنتِ ..بالأمس وجدت أغنية تجري في طريق مظلم خائفة وتلهث .. سألتها ما بك ؟
أجابتني تقول : أنها أفسدت علاقة بين اثنين .صباح وجهكِ الباسم
عيناكِ المتلألتان
ثغركِ المشع
حنطة أهل الأرض في خدود السماء
وصباح شعركِ المسافر في سماءات قلبي
صباح شوقي
ولهفتي
وصبري
وانتظاري ..
وصباح كبرياؤكِ اللعين يا صيغرتي .تفتح قوسا
تبني سورا حول كلمة ما
ولنتفرض أن تلك الكلمة هي اسم حبيبتك
تطوف بقية الكلمات في الصفحة حول تلك الكلمة
المذعورة
ينظرون لها وهي محاطة بالأسلاك الشائكة حولها
جميع الكلمات
تتمتم في بينها في امتعاض شديد
تتمتم في رعب كي لا تبني حولهن الأسلاك الشائكة كذلك
أو تقوم بطمسها
أو حتى تشرشرها بقلمك ..
وحده اسمك في نهاية الصفحة يصرخ في وجهك
أمام الجميع
متى استعبدتم الكلمات وقد ولدتهم أماتهم أحرار .حانة في ميونخ يرودها مرتزقة من بوخارست يبيعون الفتيات لدور الدعارة في سان تروبيه نحن العرب تم بيعنا بذات الطريقة بحانة أخرى في واشنطن DCلم أكن أعرف "كاليغولا" قبل أن أسمع اسمه في حوار، أثناء مشاهدتي لأحد المسلسلات، فبحثت عنه، ولم أكن أتوقّع أبداً أن يكون طاغية، بل ومن أفظع الطُغاة وأشهرهم وأكثرهم قسوة. ولأنني لا أحب التعرّف على الطُغاة، لم يشدّني شيئاً لأواصل القراءة عنه، حتى رأيت أمامي مسرحية "كاليغولا" والتي كتبها "البير كامو" عن شخصيّته، وقد كان عملاً جذّاباً وكبيراً لشخصية مضطربة. وعرفتُ فيما بعد بأنه قد تم تمثيلها ببطولة "نور الشريف".
لعلّ أكثر ماتشوّقت لمعرفته عن "كاليغولا" هي نهايته، ولا أعتقد أن هناك شيئاً مشوّقاً عند ذكر الطُغاة سوى نهايتهم. وجدت أكثر من رواية لنهايته، لكن الطريقة واحدة، فقد مات متأثر بطعنات عدّة من حاشيته الذين سئموا ظُلمه. إحدى الروايات كانت تقول بمعناه أنه ذات يوم أحضر حصانه الذي نصّبه في مجلس الشيوخ، وقدّم وجبة "التبن" لجميع من في المجلس. حتى نهض أحدهم رافضا وصارخا "استردّوا شرفكم المُهان" ليقوم الجميع ضد "كاليغولا" بما فيهم حرّاسه وأعوانه ليُردى كاليغولا قتيلاً مع حصانه.
لم تكن نهاية أتوقعها أو نهاية مُخطّطاً لها، بل كانت عبارة عن ردّة فعل لحظية لظلم مُتراكم.
الألم كُلّه من معرفتي لـ "كاليغولا" هي أنها كانت لدي أمنية، لم تكن عدم تلقّي الظلم، بل تلقّي الظلم من مصدر واحد، أن يكون عدوّك واحدا، أن يكون عدوّك واضحاً، حتى لو كان حاكماً دكتاتورياً. الظُلم لايدوم، والطُغاة لايُعمّرون. كانت فترة حُكم "كاليغولا" لروما أربع سنوات فقط -كما قرأت-.
لكن حتى هذه الرفاهية في الظّلم لم نجدها.. أفواهنا مليئة بالتبن، والكارثة كُلها أن الطُغاة في بلدنا جميعهم أحصنة، يمكن للذين يمتطونهم استبدالهم بسهولة.